حسن الأمين

181

مستدركات أعيان الشيعة

وهو كسائر العذريين قد سلبت حبيبته لبه بحيث لم يعد يفقه ولا يسمع ما يقول العذال والوشاة : يلومك في ليلى وعقلك عندها رجال ولم تذهب لهم بعقول وقد قرع الواشون فيها لك العصا وإن العصا كانت لذي الحلم تقرع ونحن نجد له أبياتا يشعر من يقرأها انها صادرة عن تجربة حقيقية : وحبك ينسيني من الشيء في يدي ويذهلني عن كل شيء أزاوله يود بان يمسي سقيما لعله إذا سمعت عنه بشكوى تراسله ويرتاح للمعروف في طلب العلا لتحمد يوما عند ليلى شمائله وسئل عن أعجب خبر له معها فقال : حججت سنة من السنين وحج زوج عزة بها ولم يعلم أحدنا بصاحبه . فلما كنا ببعض الطريق أمرها زوجها بابتياع سمن يصلح به طعاما لأهل رفقته . فجعلت تدور الخيام خيمة خيمة حتى دخلت خيمتي وهي لا تعلم أنها خيمتي . وكنت أبري سهاما لي . فلما رأيتها جعلت ابري وانظر إليها حتى بريت ذراعي وأنا لا أشعر والدم يجري . فلما تبينت ذلك دخلت إلي فأمسكت بيدي وجعلت تمسح الدم بثوبها . وكان عندي نحي سمن فحلفت لتاخذنه . فجاءت به إلى زوجها فلما رأى الدم سألها خبره فكاتمته حتى حلف عليها لتصدقنه . فلما أخبرته ضربها وحلف لتشتمني في وجهي . فوقفت علي وهو معها فقالت يا ابن الزانية وهي تبكي . وانصرفا وفي ذلك يقول هذه الأبيات : يكلفها الغيران شتمي وما بها هو اني ولكن للمليك استنذلت هنيئا مريئا غير داء مخامر لعزة من أعراضنا ما استحلت أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة لدينا ولا مقلية ان ثقلت فما أنا بالداعي لعزة بالجوى ولا شامت أن نعل عزة زلت فلا يحسب الواشون أن صبابتي بعزة كانت غمرة وتجلت فوالله ثم الله ما حل قبلها ولا بعدها من خلة حيث حلت وما مر من يوم علي كيومها وأن عظمت أيام أخرى وجلت أناديك ما حج الحجيج وكبرت بفيفا غزال رفقة وأهلت ( 1 ) ورثاها بعد وفاتها بقصيدة من رقيق الشعر ومما جاء فيها : وقد كنت أبكي من فراقك حية وأنت لعمري اليوم أناى وانزح فيا عز أنت البدر قد حال دونه رجيع تراب والصفيح المضرح وما نظرت عيني إلى ذي بشاشة من الناس إلا أنت في العين أملح ألا لا أرى بعد ابنة النضر لذة لشيء ولا ملحا لمن يتملح فلا زال رمس ضم عزة سائلا به نعمة من رحمة الله تسفح ( 2 ) وهذه الأبيات وسواها الكثير لا يمكن ان تؤيد من يزعم أن كثيرا لم يكن صادق الصبابة وإنه كاذب مدع في هواه وإن غزله مجرد غزل تقليدي . فعلى حين زعم ابن سلام والأصفهاني بان كثيرا كان يكذب ويوردان القصص والأخبار التي لا تخلو من تلفيق أحيانا نجد ابن أبي حفصة يضرب المثل بكثير في صدق الصبابة ويجعله في عداد أشهر الذين اشتهروا بالحب العذري كعروة والمرقش والنهدي وأبي ذؤيب الهذلي وجميل بثينة وذلك حيث يقول عن الغواني : أردين عروة والمرقش قبله وأخا بني نهد تركن قتيلا ولقد تركن أبا ذؤيب هائما ولقد قتلن كثيرا وجميلا ( 3 ) أما موقف عزة منه كما يبدو من شعره فهو يتراوح بين الحب والصد . ومهما يكن من أمر فان قدر العذريين ان تتصانف أسماؤهم أبد الدهر أما هم فمن غير الثابت إنهم تعانقوا لحظة واحدة طوال العمر . شعره السياسي سبق وأشرنا ان مولد كثير كان حوالي سنة 23 هوهي السنة التي توفي فيها عمر بن الخطاب وتولى عثمان بن عفان وإن وفاته كانت حوالي سنة 105 وهي السنة التي فيها توفي يزيد بن عبد الملك وتولى أخوه هشام وإنه عاش حوالي ثلاثة وثمانين سنة . فمتى ابتدأ حياته السياسية ؟ وهل ابتدأها شيعيا وانتهى مروانيا ؟ إن أقصى ما يمكن أن نصل اليه هو أحكام تقريبية لأنه لم يصلنا من شعره إلا أقله ، وأقل أقله كان شعره السياسي وأقل ذلك الأقل كان شعره الشيعي الذي يمثل المرحلة الأولى في حياته السياسية . فقد حدثت في شبابه أحداث جسام لا نجد لها صدى في شعره وهذا أمر يصعب تفسيره فمن استشهاد الإمام علي ع سنة 40 هإلى صلح الإمام الحسن ( ع ) وتنازله لمعاوية سنة 41 هإلى تولي يزيد الخلافة سنة 60 هإلى استشهاد الإمام الحسين ع سنة 61 ه‍ . فنحن نرجح ضياع الكثير من شعر كثير حول معظم هذه الموضوعات إذ من الثابت أن كثيرا كان شيعيا يحب آل البيت ويؤمن بحقهم السياسي ولم نجد مؤرخا واحدا لا يتهمه بهذه « التهمة » . على الرغم من شهرته كشاعر لبني مروان ومع ذلك فإننا لا نجد فيما وصلنا من شعره ما يتناسب مع عقيدته هذه ومع الأحداث الجسام التي عاصرها الشاعر والمصائب التي ألمت بال البيت ع . وأغلب الظن أنه انقلب إلى بني مروان في خلافة عبد الملك حوالي سنة 69 هوقبل مبايعة محمد بن الحنفية له ويتضح ذلك من أنه لم يذكر في شعره قبل عبد الملك أحدا من بني أمية وليس له معهم أخبار ويقوي هذا موالاته لآل البيت ومناصرته لمحمد بن الحنفية ، ويفسر ( الأعيان ) هذا

--> ( 1 ) شرح ديوان كثير عزة 1 : 54 . ( 2 ) م . ن : 196 . ( 3 ) الموشى : 77 .